فوزي آل سيف

40

الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة

الثانية: مسؤولية الارتباط وتوثيق العلاقة مع الإمام المهدي "عجل الله فرجه". ذلك أن إحدى المعضلات في حياة الناس ان تتعامل مع إمام غير حاضر أمامك. وهي المعضلة الأساسية في تعامل البشر مع الغيب، ذلك أن الإنسان يميل عادةً إلى المجسد والحاضر أمامه يتفاعل معه بحواسه ، وهذا ما يذكره علماء الاجتماع عند جوابهم على سؤال : مع وجود فطرة في البشر تهديهم لوجود إله للكون إلا أنهم مع ذلك يذهبون ليصنعوا أصناماً وأوثاناً فيظلوا لها عاكفين ! مع أنهم هم الذين صنعوها! أجابوا عن ذلك بأن تعامل الإنسان مع الشيء المجسد والخارجي أسهل وأسرع من تعامله مع المجردات والغيب . ومثل ذلك تعامل الإنسان مع الإمام الحاضر والقائد الموجود معه وأمام عينه ، أسهل وأيسر من تعامله مع إمام غائب .. وهذا ـ لا ريب ـ أحد امتحانات الإنسان المؤمن.. ولكي يجتازها بسلامة لابد أن يضاعف ارتباطه بإمامه وعلاقته بقائده حتى يتغلب على عناصر الغياب المؤثرة سلبيا. هذا مع تذكيرنا الدائم والذي تم شرحه في موضوع آخر بمعنى الغيبة للإمام المهدي . ربما من أجل ذلك فقد وضعت مجموعة من البرامج يمكن أن تعوض هذا البعد ( المادي ) بتقوية العلاقة النفسية والارتباط القلبي والعاطفي من أدعية وزيارات ، منها على سبيل المثال (دعاء الندبة) الذي يستحب ان يقرأ في ايام الجمع وايام الأعياد . وربما يتساءل انه هل لهذا الدعاء سند معتبر[116] ام لا ؟! يرى بعض الباحثين ان هناك عدة طرق يمكن من خلالها تقوية مثل هذا الدعاء: *الطريق الأول: انه قد اعتمد عليه في الاستدلال الكلامي والفقهي بعض أعيان الطائفة ، والاستدلال بنص في العقائد والفقه على أصل عقدي أو حكم شرعي يقتضي أن يكون ثابتا في نظر المستدل ، حيث أن المطلوب في الفقه والعقائد من القيود والاشتراطات في الدليل أكثر مما هو مطلوب في الأدعية والمواعظ وقد أشرنا إلى ذلك في شرح دعاء الندبة . الطريق الثاني : أنه قد رواه ـ أو بعض فقراته ـ من يُعد من المتشددين في أمر السند وهو السيد علي بن طاووس[117] رحمه الله ، فإنه يعتبر أول من خالف طريقة القدماء في تصحيح الأحاديث ونهج منهجا جديدا تبلور فيما بعد بشكل أكبر لدى تلميذه العلامة الحلي واعتبر أن ما يكون سنده إلى المعصوم مشتملا على راوٍ ضعيف أو مجهول ، فإنه يصنف باعتباره خبرا ضعيفا لا يمكن الاعتماد عليه . وما دام الذي نقله في كتابه لديه هذا المنهج فلا بد أن يكون قد لاحظ سند الدعاء ولو لم يره صالحا لما نقله في كتابه، لا سيما وهو المؤسس لهذا المنهج الذي سمي بتربيع الاحاديث .. الأمر الثالث: أن بعض أعيان الطائفة قد صرح بأن له سندا معتبرا، ومن أولئك العلامة المجلسي وهو الخبير بأحاديث المعصومين عليهم السلام. فقال في كتابه زاد المعاد : "وَأَمَّا دُعَاءُ النُّدْبَةِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ وَ التَّأَسُّفِ عَلَى غَيْبَتِهِ (عج) فَمَرْوِيٌّ بِسَنَدٍ مُعْتَبَرٍ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ‌ إِذْ إِنَّ قِرَاءَتَهُ مَسْنُونَةٌ فِي الْأَعْيَادِ الْأَرْبَعَةِ أَيْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ وَيَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى وَيَوْمَ عِيدِ الْغَدِيرِ، وَهُوَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَهُ الْحَمْدُ رَب الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيماً اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا جَرَى بِهِ قَضَاؤُكَ فِي أَوْلِيَائِكَ ..."[118]

--> 116 ) تم الحديث بشكل مفصل عن دعاء الندبة ؛ سنده ومقاصده ومضامين كلماته بعنوان : تأملات في ( دعاء الندبة) لمؤلف هذا الكتاب. وهنا إشارات سريعة ومختصرة له . 117 ) رضي الدين ابو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني ( ت 664 هـ ) أستاذ العلامة الحلي ووالده ، وصاحب نقابة الطالبيين في عهده ، عرف بالقداسة والكرامات حتى نقل أنه ما اتفقت كلمة الاصحاب على اختلاف مشاربهم وطريقتهم على صدور الكرامات عن احد ممن تقدمه أو تأخر عنه غيره. بل قال المحدث النوري صاحب المستدرك ـ كما نقله عنه تلميذه القمي ـ ويظهر من مواضع من كتبه خصوصا كشف المحجة ان باب لقائه الامام الحجة (ع)كان مفتوحا.. له عدد من الكتب المتداولة والمطبوعة . 118 ) زاد المعاد 1/303 الأعلمي بيروت 1423